تألیف: عادل أشکبوس

معروفٌ فلّاح یعیش فی مزرعته الصغیرة على شاطئ إحدَى البُحَیرات ، تَـعَوَّدَ على عمله الذی أخَذَه عَن والده ، و هو حَرثُ الأرض و زراعتها و رَیّها . اعتبر هذا العمل خدمةً لوطنِهِ الغالی الذی أعْطاه الكثیر ولایبخل علیه بأی شيء . و كان معروف یَـتَسَلّى بِمظهر البُـحَیرةِ التی تَعیش فیها مجموعةُ طُیور الأوز و البَطّ ، و كانَت أشكالها الجمیلة و سِباحتها فی البُحَیرة ممّا تعود أن یراهُ یومیاً و هذه هی تسلیته الوحیدة . إنه لا یعرِفُ الكَسَل ، فهو مُنذ الفجر یَستیقظ نشیطاً مُتَفائلاً. و لَمّا كان عمله بدنیا فَـقد ازدادت صحّته قوةً و صَلابة ، و أصبح یُضاعف العمل فی مزرعته ، فعرف أن زیادةَ الإنتاج دائما تأتی بالعزیمة والإیمان. وذاتَ یوم و هو فی مزرعته أثناءَ قیامه بِشقّ الأرض ، إذا بصوتٍ خافِتٍ یأتی مِن خلفه ، فاستَدارَ فإذا هو ثُـعبان ضَخم ، فتخوَّف الفلاح و أرادَ الفِرار ، ولكنَّ الثَّـعبان قال له : قِفْ أیها الفلاح و اسمَعْ حَدیثی لعلّك تُشفِق علیّ ، و إن لم تقتنعْ فلا علیك ؛ اُترُكنی و مصیری .

فصعد الفلاح على رَبوة و بسرعة حتى جعل البحیرة بینه و بین الثعبان مِن بعید ، فقال الثعبان : إنّنی لم أضر أحداً فی هذه القریة و قد عِشْتُ فترةً طویلةً فیها ، و انظرْ ستـجد أبنائی خلف الشجرة ینتظرون قُدومی بفارغ الصبر و انظر الى الراعی یرید أن یقضی علیّ بفأسه فخبّئنی حتّى یذهب و سوف لا تندم على عملك ، فنزل معروف و خبأه فی مكان لا یَراه ذلك الراعی الذی ظَلَّ یبحَث عنه هُنا و هناك و غاب الراعی عن الأنظار و كأنه لم یجد فائدة من البحث عن الثعبان حیث اختفى ، و لما أحس الثعبان بالأمان أخذ یلتف على معروف الذی أمنه على نفسه ، وجد معروف نفسه فی ورطة كبیرة ، فالثعبان السام یلتف حول عنقه ، و حتى الصراخ لو فكر فیه لن یفیده .

فالمكان لا یوجد فیه أحد و خاصة أن خُیوط اللیل بدأت تظهر فی السماء ، وأهالی القریة البعیدون عن كوخه و مزرعته تعودوا أن یناموا مبكّرین ، و مَن یغیثه من هذا الثعبان الذی یضغط على رقبته ویقضی علیه؟ وهل فی الامكان لشخص ما أن یقترب؟ المنظر رهیب ، و هل یصدُق أحد أن إنساناً ما یسمع كلام الثعبان مثل معروف و یأمنه و یقرّبه الیه ؟ و هنا قال معروف للثعبان: أمهِلنی حتى أصلّی – و فعلاً توضّأ و صلّى ركعتین و طلب من الله سبحانه وتعالى أن یخلّصه من هذا الثعبان المُخیف الرهیب بضخامته و سمومه القاتلة و بینما هو كذلك إذا بشجرة قد نبتت و ارتفعت أغصانها و صارت لها فروع ، فتدلّى غصن تحبّ أكله الثَّـعابین و تبحث عنه ، فاقترب الغصن إلى فم الثعبان ، فأخذ الثعبان یلتهم الغصن و ماهی إلا دقائق حتى إنهار الثعبان و سقط و كانت الشجرة عبارة عن سم ، فقتل ذلك الثعبان الذی لم یوفِ بعهده مع من حَماه ، و فجأة اختفت الشجرة المسمومة و علم معروف أن الله قریب من الانسان ، و أنّه لابدّ أن یعمل المعروف مع كل الناس ، و مع من یطلب منه ذلك .

ارسال ديدگاه

لطفا نام خود را وارد كنيد! لطفا آدرس ايميل را صحيح وارد كنيد! لطفا پيام را وارد كنيد!