الشاعر محمد إقبال و الأمة العربية

يحيى بشير حاج يحيى

عضو رابطة أدباء الشام

على الرغم من معرفة إقبال لعدد من اللغات ومنها العربية التي كان مدرسا لها في جامعة لندن إلا انه لم ينظم أشعاره بها ويعلل الأستاذ أبو الحسن الندوي ذلك بقوله : إن إقبالا لم يكن بمكانة من يقول فيها الشعر ولكنه كان محبا لها و راعيا في ترجمة أشعاره إلى لغة العرب فقال (( إن أعمالي ستخلد وسترون أن كل معنى أرسلته في قصائدي ستحمله اللغات بعضها إلى بعض ولكني أريد أن يترجم كلامي للغة العربية أولا وقبل كل شيء ليصل إلى العرب صوتي وليفهم العالم أسرار قلبيفماذا قال لإقبال للأمة العربية ؟

لقد خاطبها على أنها الأمة ذات الرسالة التي خلصت الإنسان من أغلال الشرك وحررت الشعوب من الظلمة والطواغيت وقد تبوأت مركز الصدارة بالدين الذي حملته وبشرت به :

أمة الصحراء يا شعب الخلود        من سواكم حل أغلال الورى

أي  داع  قبلكم في ذا الوجود        صاح : لا كسرى هنا لا قيصرا

من سواكم في  حديث أو قديم       أطلع القرآن   صبحا  للرشاد

هاتفا في مسمع الكون العظيم        ليس  غير  الله  ربا  للعباد

وكانت منة الله على هذه الأمة ببعثة النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي جمعها من شتات وأضاء حياتها بنور القرآن فزكاها وعلمها ورقاها وقادها إلى عز الدنيا وفوز الآخرة :

وابل  من  فيض  أمي  اللقب         الكريم الفرد في كل الكرام

انبت الزهر بصحراء العرب          بل سقى في القفر بستان الوئام

بهدى   الحرية   العليا  أناره          فهي روض مونق من غرسه

يومها الحاضر في كل الديار           لم ينر إلا بذكرى أمسه

ثم يذكرها بماضيها المجيد لتستلهم من وقائعه وصفحاته الناصعة .. يوم تحققت بالخيرية التي أكرمها الله تعالى بها ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ففاض الخير عن كل العالمين وعم العدل الخافقين :

لا تقل أين ابتكار المسلمين        وسل الحمراء واشهد حسن تاج

دولة  سار  ملوك  العالمين        نحوها طوعا يؤدون الخراج

كبروا لله في ظل الحروب         وصفوفا تحت ظل المسجد

ضجة دانت لهم فيها الشعوب      وارتقوا فيها مكان الفرقد

ويستنهض الأمم ويدعو إلى العودة للأصالة والانطلاق من الذات معاتبا لها وناعيا عليها واقعها المؤلم

وي كأن لم تشرقوا في الكائنات           بهدى الإيمان والنهج الرشيد

ونسيتم   في   ظلال  الحادثات           قيمة الصحراء في العيش الرغيد

كل  شعب   قام   يبني  نهضة           وأرى   بنيانكم  مـنـقسمـا

في    قديم   الدهر   كنتم  أمة           لهف نفسي كيف صرتم أمما ؟

وبكى مجدهم الغابر في الأندلس حين زار مسجد قرطبة عام ۱۹۳۲ م فصلى فيه وتذكر حضارة وأمة العرب التي كانت بالإسلام خير أمة أخرجت للناس وكان محمد لإقبال أول مسلم يسمح له بالصلاة في ذلك المسجد منذ خروج المسلمين من الأندلس في عام ۱۴۹۲ م وقد عبر عن مشاعره في تلك اللحظات بقوله ( انظر أيها المسجد إلى هذا الهندي الذي نشأ بعيدا عن مركز الإسلام ومهد العروبة نشأ بين الكفار وعباد الأصنام كيف غمر قلبه الحب والحنان ؟ وكيف فاض قلبه ولسانه بالصلاة على نبي الرحمة الذي يرجع إليه الفضل في وجودك كيف ملكه الشوق ؟ وكيف سرى في جسمه ومشاعره التوحيد و الإيمان ؟؟

كما  كان إقبال على معرفة لما يدبر لفلسطين وما ينسج اليهود من مؤامرات ضدها وقد قال في المؤتمر الذي عقد في فلسطين عام ۱۹۳۱ م إنني على إيمان ويقين أن مستقبل العرب مرتبط بالإسلام وبالإسلام فحسب ولا بد من توحيد واتحاد صفوف المسلمين في المعمورة لأن مصير المسلمين عربا وعجما مصير واحد لست خائفا من أعداء الإسلام إنما أخشى من التفكك والتفرقة في صفوف المسلمين وقد فند بشدة مزاعم اليهود عن حقهم التاريخي في فلسطين فرد ساخرا (( أما كان للعرب أن يطالبوا بأسبانيا تلك التي ملكوا زمامها في غابر الزمان و ملؤوا ربوعها علما ونورا ))

وإقبال الذي احب العرب بحبه للإسلام وتمنى أن يكون متمكنا من نظم مشاعره بلغتهم هو أول من دعا العرب إلى النهوض – كما يقول الأستاذ أنور الجندي – بوصفهم حملة رسالة الإسلام والذين دفعوها إلى آفاق والذين تبقى لهم مزية القدرة على حمل لواء الصحوة الإسلامية مرة أخرى .. و يقول الدكتور إحسان حقي الذي كان صديقا حميما لإقبال : (( ومما لاحظته فيه انه كان ميالا للعرب لا بل فكان يحترمهم إكراما للنبي العربي صلى الله عليه وسلم )).

ارسال ديدگاه

لطفا نام خود را وارد كنيد! لطفا آدرس ايميل را صحيح وارد كنيد! لطفا پيام را وارد كنيد!